غارب

قصة جواد أعمى "و" فارس مخذول!!وبين هذا وذاك وجعٌ وخنوع وذل وغارات روم و ورايات رُفعَت وأُخرى مُزقت وأُزهقت ! ووثوب السلطان على السلطان، ظل أعمدة مزخرفة وصوت خرير ماء بركة في فناء الحمراء! حلوى على شاكلة الحمراء تذوقتُ طعمها مع موسى حين كان طفلاً تربيه النساء وذقتُ مُرها وعلقمها معه حين خرج من غرناطة مكسوراً مُطأطئ الرأس عليل القلب مفطور الروح رافضاً التسليم ! ونجوم زينت المقرنصات ونقوش فرشت الأرض عزاً يوم كان لهم فيها حكم وحياة! بين الجواد والفارس تذوق طعم علقم الهزيمة وتهون عليك كل النكبات وتذكرك بنكبات تعيشها الآن! ستبكي على حالٍ آلت إليه الأندلس مُهجة القلب والروح و عروس الحضارة وباعثة العلم والنور في وقت ساد فيه الظلام والظلم! أندلس الحلم والمنتهى وصوت يُدندن" إن للمهجة في الأندلس مُشتلى حُسنٍ وريّا نفسِ" وما علمتُ يوماً أني سأزورها سفر الروح والزمان لا المكان! سأحضر التسليم وأذرف الدمع على حالٍ من المُحال دوامه! تسافر هي إليّ على متن حروف كاتب عبقري فذّ يُطوع حروفه حيث يُريد و وهي تحطُ بقرائهارخاءً حيث تشاء! غارب؛ رواية تاريخية تتحدث عن أخر عهد غرناطة قبل السقوط ووقت التسليم. تتحدث عن المستعين بالله سعد الأحمري و أولاده الزغل و أبو الحسن وابو الحجاج يوسف و عبدالله الصغير أخر ملوك الأندلس الذي قيل فيه:ابكِ على شباب قد زال على حياة لم تعد، على مُلكٍ لم تصنه كالرجال. وعن موسى الفارس الأسود الذي ما علمتُ عنه في الكتب التي قرأتها عن الاندلس سوى أنه فارس كان رافض للتسليم والذي كان يُكنى بِـموسى بن ابي الغسان. الرواية توصف حياة موسى أصغر ابناء المستعين بالله من خلال رسائل كتبها لولده عبدالملك يُصور من خلالها التاريخ ويغوص في جغرافية المكان ببراعة ليس لها مثيل. مقسمة إلى ١٢ فصل حسب أشهر السنة وكل فصل بشهر من"ينير"إلى "دجنبر" مقسم كل فصل فيها إلى ثلاث أقسام يختلف كل قسم باختلاف الضمير مابين "هو" "أنت" "أنا". أنا: يكتب فيها موسى عن نفسه. هو: يسرد فيها أحداث تدور معه ومع شخصيات الرواية وشخصه بصيغة(هو) أنت: يتحدث عن ما يدور وما يختلج نفس موسى وكل موسى فينا! سرحتُ كثيراً وذُهلت من قدرة الكاتب على عرض مكنونات النفس وما يدور بها في صراعها مع نفسها بتلك الطريقة الغريبة العظيمة، صراع بين الملك(الشخص بكله) وبين الوزراء والعرفاء والارباض وابن لبابة وابن الضمير وكافة اركان مملكة النفس حيث تدور بينها حورات عصيّة على الوصف عميقة تُعري صاحبها وتكشفه أمام نفسه! أما النهاية: تساءلتُ كثيراً بعد شهر"أكتبر" كيف ستكون النهاية!؟ نهاية غارب الجواد الأعمى ونهاية غارب الحكاية!فهي منه وهو منها! كنتُ اسأل عن النهاية ولا يهمني الجواب بقدر ما يمهني السؤال نفسه؛ كنت كالسائل الذي يسأل دون أي اهتمام بالجواب فهو يهتم فقط بطرح السؤال! اسأل كي استفيق من حالة الذهول والوجع الذي يكمن بين السطور! وترجمة الحال هناك بالحال هُنا وهُنا الآن! وكانت النهاية صاعقة صاعقة! لم اتخيل أن تكون النهاية برسالة يكتبها موسى لمحمد! لمحمد خير الخلق وحبيب الله، رسالة يُسلم بها على رسول الله ويشكي له حاله وحال الأندلس و يقول فيها:حسبي أن رسول الله حي في قبره يرد السلام على أحبابه في كل مصر وحسبي أنك يا رسول الله تسمعني وأن حبك قربة وشفاعة. تسلم عليه من غرناطة الأندلس اليتيمة المقطوعة المنكرة. وتتساءل وتقول: أنّى ينصرنا الله على الكافرين ولو جاءنا الجند مداً بعد مد والرأس فاسد والجسد عليل!! فتأمل! فتأمل! سقطت الأندلس و ذهب حكم الإسلام فيها ومات القرآن هناك و وُلد الصليب ! الرواية تتحدث عن نفسها وتخبر عن نفسها بنفسها! أما لغة الكاتب: في البداية كنت أحسب أن لغة الكاتب مأخذ يتيم على الرواية فهي لغة رصينة ورزينة وألفاظ قوية كنت احتاج معها ان اعود إلى المعجم كي افهم ماهيتها ولكن بعد ما علمت من الكاتب نفسه أنه " أختار لنفسه منذ بدأ الكتابة أن يجبر الانقطاع اللساني الذي جعل التراث بالنسبة إلينا مبهماً" بات هذا مأخذ عليّ أنا لا عليه ولا على روايته،الجهل والتقصير بحق اللغة الأم والغربة عنها وعن فطرتها التي تسري فينا. باختصار: عظيمة رهيبة خيالية ! والحمدلله :) Good غارب By محمد عبدالقهار is a Kindle .. 2013 2016. The best Kindle غارب من يعرفني جيداً يعرف عني صفتين:أني شخصٌ ملولٌ بطبعي.و أني لا أستطيع القراءة أو الكتابة تحت ضغط أو إلحاح من أحد أو إرتباطٍ بجدولٍ زمني محدد. فإذا طلب مني زيدٌ أن أقرأ هذا المقال الآن، أو طلب مني عمرو أن أطلع على كتابٍ ما ثم أرده له خلال شهر مثلاً، ما استطعت فعل هذا أو ذاك.فإذا علمت أنني قد اطلعت على مخطوطة هذه الرواية مرتين، الأولى كفصول متفرقة كلما أنهى محمدٌ منها فصلاً، و المرة الثانية بعد أن ضُمت الفصول و روجعت و نُقحت. و أنني في المرتين كنت أقرأ باستمتاع، و أني في المرة الثانية كنت أقرأ بنفس الاستمتاع و التشوق و كأني لم أقرأها من قبل، و على الرغم من أن الأحداث تدور في حقبة زمنية أزعم أني على دراية جيدة بها. فإذا عرفت كل هذا ربما أدركت مدى جمال و تميز هذه الرواية :)ربما أستشعر الحرج بعض الشيء و أنا أكتب مراجعتي لهذه الرواية و قد يظنني البعض مبالغاً في ثنائي عليها و رأيي فيها لما يربط بيني و بين كاتبها من أخوةٍ و محبةٍ و صداقة، لكن الصدق من تمام الصداقة، و لو كنت أثني عليها و هي لا تستأهل هذا لكان هذا خيانة لهذه الصداقة.لنعود للكلام عن الرواية التي بأيدينا، تدور أحداث الرواية في غرناطة بني الأحمر في سنيها الأخيرة قبل السقوط. بنى الكاتب روايته على القليل جداً الذي ذُكر في المصادر و المراجع التاريخية و الأدبية سواء كانت عربية أو أسبانية عن الفارس موسى المعروف ب (موسى بن أبي الغسان) و الذي نكاد لا نعرف عنه إلا أنه كان شجاعاً رافضاً لتسليم غرناطة، بالإضافة إلى المشهد الأخير في حياته. و من جملةٍ عابرة ذكرت أن السلطان سعد بن محمد كان له ولد اسمه موسى، بنى الكاتب أحداث روايته و رسم حياة موسى من البداية إلى النهاية بكل ما فيها من آمالٍ و آلام، و أفراحٍ و أتراح. لتكون هذه الحياة الثرية عارضةً لصورةٍ من الحياة السياسية و الإجتماعية في الأندلس قبيل السقوط، و في الوقت ذاته التركيز على الجوانب النفسية و النزاعات الداخلية داخل النفس بنوازعها و بكل ما تحمله من تركيبٍ و تقلباتٍ و ثنائيات و التأكيد على بشريتها دون الإغراق في التمجيد أو التسفيه من البطل تبعاً للرؤية السطحية و المؤدلجة للتاريخ و التي يسعى الكاتب في مقالاته و في روايته هذه و في روايته الأولى (سراي نامة) إلى ضحدها و تفكيكها. و هكذا نمضي مع موسى منذ مولده في قصر الحمراء، ثم خروجه شريداً إلى مالقة و منها إلى ألمرية، ثم تنقله بين صنائعٍ مختلفة بنجاحات و إخفاقات، و كل هذا و هو محملٌ بإرث أسرته بما طبعه بالتعالي على غيره، إلى أن قاده القدر إلى الرباط لتبدأ حياته الحقيقية و ليُبعث موسى الذي عرفناه – أو بالأحرى عرفنا عنه أقل القليل – في كتب التاريخ.سيقدر القاريء الشغوف بالتاريخ كم المجهود المبذول في الغوص وسط كتب التاريخ و الأدب و التراجم بل و حتى كتب الرقائق للوقوف على تفاصيل دقيقة لصورة الحياة في هذا العصر، و جغرافيا الأماكن التي وُصفت بدقة و إن لم يكن الكاتب قد زارها في الواقع. و سيدرك أن الأمر قد يتطلب قراءة كتاب بأكمله للخروج منه بفقرة أو حتى سطر واحد يُبني عليه بعض أحداث الرواية. بل إن سطراً في أحد المصادر قد يكون البذرة لسلسلة من الأحداث المتخيلة في ذهن الكاتب يرسمها و يربطها و يشكلها كي يوصل رسالته.و إذا تكلمنا عن الصياغة و الأسلوب و اللغة، فهذه الرواية قد تفوقت على سابقتها بشكلٍ كبير. تنقسم الرواية إلى إثني عشر فصلاً بعدد فصول السنة تغطي حياة موسى من البداية إلى النهاية، ينقسم الفصل الواحد إلى ثلاث أقسام بعناوين (أنا، هو، أنت). قسم (أنا) عبارة عن رسائل يكتبها موسى على فتراتٍ و يرسلها لولده في المغرب، و سيلمس القاريء تغير أسلوب و مزاج موسى في الرسائل لأنها تُكتب على فترات و كانت أواخر الرسائل متقطعة و متعجلة لأنها كتبت أثناء الحصار الأخير و لذا اعتذر لولده عن اسهابه في أولها و عجلته في آخرها. و أجاد الكاتب في صياغتها لغوياً لتكون على غرار الرسائل القديمة سواء في الأسلوب أو المفردات أو التقسيم لأطوار على غرار (ذكر وصولنا ألمرية – ذكر دخولي المدينة وتسميتي بابن بأبي الغسان ...إلخ) ، و من أجمل ما فيها ما أورده من تفاصيل في صنوف العلوم و الصنائع التي تعلمها موسى و عمل بها، و ما في ذلك من ارتباط بالتراث و عرضٍ لصورة الحياة و المجتمع، و أزعم أن العناية باللغة و الأسلوب كان أحد أكبر عوامل إعجابي بالرواية. بالنسبة لقسم (هو) فهو تناول المؤلف للخيط من القسم السابق و حكيه للأحداث، و يبدأ في كل فصل بصورة تجمع ما بين الوصف و الرمز ينتقل منها بسلاسة للحوار بين الأبطال و الذي كثيراً ما يدور باللهجة الأندلسية! أما القسم الثالث (أنت) فهو عرض ما يعتمل داخل نفس موسى و كأنها مملكة ملكها القلب و وزراءها العقل و الأطراف. و كأن القسم الأول هو لسان موسى نفسه، و القسم الثاني هو ما يجري لموسى و غيره من منظور عين الطائر، أما الثالث فهو نفس موسى بكل ما يضطرم بها من مشاعر و خواطر و هواجس.و لأن اللسان قد يسكت عن أشياء كما يُسر بأخرى، و لأنك قد تستطيع أن تكذب على كل الناس لكنك لا تستطيع أن تكذب على نفسك، فإن قسم (أنت) قد جاء كاشفاً لقسم (أنا). و يبدو جلياً فيه تقلبات النفس و أطوارها، ما بين أمرها بالسوء، أو كونها غافلة، أو كونها لوامةً تتحرق إلى أن تصبح مطمئنة. و يبرز مع كل هذا، سواء مع موسى الأندلسي، أو الشيخ السلجماسي التونسي، أو الأمير المملوكي الظاهري المصري، يبرز مع كل هذا سؤال العمل، و سؤال جدواه، و قبل كل هذا: سؤال النية. و يكاد يكون هذا السؤال الأخير هو السؤال المؤرق لنفس موسى، و هو السحابة المظللة للرواية، و هو مفتاح رسالة الكاتب إلى القاريء، و هو مناط العمل كله. و أسأل الله أن يجزي كاتب الرواية خيراً على نيته في كتابة الرواية و عمله فيها و أن يجعلها في ميزان حسناته.

About Author

غارب Comment































Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *